عمر السهروردي
596
عوارف المعارف
وينبغي للمريد أن تكون له في كل شيء نية للّه تعالى ، حتى في أكله وشربه وملبوسه ، فلا يلبس إلا للّه ، ولا يأكل إلا للّه ، ولا يشرب إلا للّه ، ولا ينام إلا له ، لأن هذه كلها أرفاق أدخلها على النفس كانت للّه لا تستعصى النفس ، وتجيب إلى ما يراد منها من المعاملة للّه والإخلاص ، وإذا دخل في شيء من رفق النفس لا للّه بغير نية صالحة صار ذلك وبالا عليه . وقد ورد في الخبر ( ( من تطيب للّه تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك الإذفر ، ومن تطيب لغير اللّه عز وجل جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة ) ) . وقيل : كان أنس يقول : طيبوا كفى بمسك فإن ثابتا يصافحني ويقبل يدي . وقد كانوا يحسنون اللباس للصلاة متقربين بذلك إلى اللّه بنيتهم . فالمريد ينبغي أن يتفقد جميع أحواله وأعماله وأقواله ، ولا يسامح نفسه أن تتحرك بحركة أو تتكلم بكلمة إلا للّه تعالى . وقد رأينا من أصحاب شيخنا من كان ينوى عند كل لقمة ويقول بلسانه أيضا آكل هذه اللقمة للّه تعالى . ولا ينفع القول إذا لم تكن النية في القلب ، لأن النية عمل القلب ، وإنما اللسان ترجمان ، فما لم تشتمل عليها عزيمة القلب للّه لا تكون نية . ونادى رجل امرأته وكان يسرح شعره فقال : هات المدرى ، أراد الميل ليفرق شعره ، فقالت له امرأته : أجئ بالمدرى والمرآة ؟ فسكت ثم قال : نعم ، فقال له من سمعه : سكت وتوقفت عن المرآة ثم قلت نعم ، فقال : إني قلت لها هات المدرى بنية ، فلما قالت والمرآة لم يكن لي في المرآة نية فتوقفت حتى هيأ اللّه تعالى لي نية فقلت نعم .